بلينوس الحكيم
المقدمة 17
سر الخليقة وصنعة الطبيعة ( كتاب العلل )
وإذا نظرنا إلى الآراء حول كون العالم التي يتضمنها « كتاب سر الخليقة » بوجه عام فيمكن أن نقول إنها ذات مستوى شعبي لا يكشف عن كثير من الاصالة والابداع إذ يظهر أن المؤلف قد ألف كتابه عن طريق جمعه بين مصادر عديدة مختلفة لا يمكن حتى الآن معرفة هويتها في معظمها ولكن وحدة الكتاب تتجلى في عرض المؤلف الأساسي لعلل الأشياء الذي يهدف إلى عرض العلل الهيولانية للأشياء الموجودة في العالم بواسطة فرضية واحدة وهي : أن أية ظاهرة طبيعية يمكن تفسيرها على أنها تركيب خاص من الطبائع الأولية الأربع التي لها أساس مشترك واحد . أما بالنسبة للمفردات فان بلينوس على ما يبدو لم يستطع أن يؤلف بين الآراء المتناقضة في الغالب لتلك المصادر ولم يستطع أن يعرضها في عرض شامل مجسم لتركيب العالم . وبالنسبة للباحث الحديث فان هذه التناقضات يمكن أن ينظر إليها كمزية نافعة حيث إنه يهتدي بوسائطها إلى بعض المصادر المتنوعة التي استقى المؤلف مواده منها . ان ما لدينا من مخطوطات « كتاب سر الخليقة » منذ بدء اكتشافه يظهر توزيعا واسعا . فلقد احتفظت المكتبات الشرقية والأوربية بأكثر من ثلاثين نسخة من هذا الكتاب راجعت محررة هذه الطبعة سبع عشرة مخطوطة منها ( من أجل وصفها وتنقيحها انظر المقدمة باللغة الألمانية لهذه الطبعة ) . وبالرغم من انتشار الكتاب الواسع فإنه لم تحظ الا باقتباسات قليلة من نصه موجودة في المصادر العربية . ويمكن لنا أن نستنتج أن « كتاب سر الخليقة » بصورة عامة - وعلى الأقل خلال عصور الاسلام الكلاسيكية - لم يكن يبالي به العلماء الطبيعيون والفلاسفة الماهرون لان أولئك العلماء كانوا يستطيعون أن يرجعوا إلى بحوث الاغريقيين المتقدمين بمستوى أعلى مما لهذا وكانوا مستغنيين عن الاهتمام بنص ساذج عن الطبيعة لا يقدم اسهامات أصلية إلى معرفتهم . ولما كان بلينوس قد ذكر في بعض كتب جابر ابن حيان كعالم هام في الفلسفة الطبيعية فليس من المستبعد أن نفترض أن كتاب سر الخليقة أفاد فيه رواد العلوم العربية كمقدمة إلى الفلسفة الطبيعية في القرون الأولى للاسلام عندما كانت حركة الترجمة لا تزال في أول عهدها ، وكانت لذلك معظم النصوص العلمية الإغريقية لم تكن متوفرة بعد في اللغة العربية . ولأن معلوماتنا عن النشاطات العلمية في الاسلام خلال تلك الحقبة الأولى لا تزال معلومات ضئيلة يجب